الجزء الأول
«امسحي الشات قبل ما يرجع بسرعة يا سلمى..»
قريت الرسالة مرتين، وبصيت على اسم صاحبها مش مصدقة عينيا.
كانت من كريم... صاحب جوزي اللي مابيقعدش قدامي غير وهو باصص في الأرض، وبيناديني «يا أستاذة سلمى» حتى بعد أربع سنين جواز.
قبل ما أكتب علامة استفهام، لقيت مفتاح الشقة اتحرك في الباب.
حسام دخل، قفل وراه، وبص للموبايل اللي في إيدي بنظرة غريبة:
— هو بعتلك؟
كنت هقوله: مين؟ بس لساني اتعقد.. حسام لسه داخل، ماقربش مني، ولا شاف الشاشة.. عرف منين؟!
حط مفاتيحه على السفرة ومد إيده:
— وريني كده.
قفلت الشاشة بجمود:
— إنت مستني رسالة من كريم على موبايلي؟
ضحك ضحكة قصيرة، وقال وهو بيقلع الجاكت:
— كريم؟ هو أنا قلت كريم؟
رديت عليه بنفس البرود:
— وأنا ماقلتش إن حد بعتلي أصلًا.
إيده وقفت عند زرار الكم ثانيتين، وبصلي بحدة، وسابني ودخل الحمام.
أول ما سمعت صوت الميّه، فتحت الشات.. كريم كان باعت رسايل تانية بتزلزل الأرض تحتي:
«ماترديش قدامه.. وخليكي طبيعية.. حسام كان باعتني عشان أوقعك!»
إيدي اترعشت وأنا بكتب:
«إنت بتقول إيه؟! حسام ليه يعمل كده؟»
الرد نزل عليا زي الصاعقة بتسجيل صوتي من جوزي نفسه، بيحكي فيه لصاحبه عن أدق خصوصيات أوضة نومنا، ويوصفله أدق تفاصيل لبسي اللي عمري ما لبسته غير له، وبيقوله بضحكة وسخة: «ابدأ جر شكلها، قولها القميص النبيتي حلو عليكي.. أول ما ترد عليك ابعتلي عشان أرميها في الشارع من غير قايمة ولا مليم!»
الدم نشف في عروقي.. أربع سنين جواز وتنازلات وصبر على الفقر والمرتب القليل، وفي الآخر دي نهايتي؟
كريم كمل برسالة أخيرة:
«حسام مش بس بيعمل كده عشان يطلقك.. حسام شاري شقة باسمه واسم واحدة تانية في التجمع.. وبكرة الساعة 1 الضهر عامل معاها ومع أهلها اجتماع رسمي في الكافيه عشان يطلب إيديها ويكتب الكتاب، وهو متوقع إنك هتكوني مكسورة في بيت أهلك!»
الصبح، حسام صحي عادي جداً وابتسم بخبث:
— أنا نازل ورايا مشوار شغل مهم في التجمع ومش هرجع إلا بالليل.. ياريت تفكري في كلامنا.
نزل وهو فاكرني الضحية الساذجة اللي مستنية مصيرها..
الساعة 1 إلا ربع، كنت واقفة على باب الكافيه في التجمع..
لمحت حسام قاعد، متأنق وشياكة أول مرة أشوفها، وجنبه عروسة لابسة شيك وأهلها مبسوطين، وحسام ماسك علبة الدهب وبيضحك من قلبه..
أخدت نفس طويل، مسكت فلاشة الرسايل والتسجيلات في إيدي، ودخلت لحد ما وقفت فوق راسهم..
حسام رفع عينه وشافني.. كوباية الميّه وقعت من إيده واتكسرت على الأرض، وعروق وشه نشفت كأنه شاف ميت راجع من القبر!
الجزء الثاني
صوت تكسير الكوباية على أرضية الكافيه لفت انتباه الناس اللي حوالينا، بس في اللحظة دي مكنتش شايفة غير ملامح حسام.. وشه اتحول للون أصفر شاحب، وشفايفه كانت بتترعش من غير ما يطلع منها صوت مفيد.
الراجل الكبير اللي قاعد قصاده — اللي اتضح بعد كده إنه والد العروسة — بصلي باستغراب، وسأل حسام: — خير يا ابني؟ مين دي؟ وقريبك ده ماله متنح كده؟
حسام حاول يقوم من على الكرسي، بس ركبه مكنتش شايلاه، مد إيده بارتباك وقال بصوت مهزوز وواطي: — سلمى؟! إنتي.. إنتي بتعملي إيه هنا؟! ومين قالك مكاني؟!
ابتسمت بهدوء، سحبت كرسي فاضي من الطربيزة اللي جنبهم، وقعدت وحطيت رجلي على رجل: — جاية أبارك لأخويا وحبيبي حسام.. ولا مكنش المفروض أجي خطوبة جوزي وأبو عيالي المستقبليين؟
كلمة "جوزي" نزلت على الطربيزة زي القنبلة.
العروسة — وكان اسمها مها — وقفت فجأة وخبطت على الطربيزة: — جوزك؟! إنت بتقول إيه يا حسام؟ مش إنت قايلي إنك مطلق بقالك سنتين والشقة دي إنت مخلص كل أقساطها عشان نتجوز فيها؟!
حسام بدأ يتصبب عرق، وصوته علي بانفعال مفضوح: — دي مجنونة! دي طليقتي وعايزة تخرب عليا! خدوها من هنا بدل ما أطلب الأمن!
فتحت شنطتي بهدوء وطلعت قسيمة الجواز الرسمية بتاريخ اليوم، وحطيتها قدام والد مها: — اتفضل يا عمي، أنا مراته رسميًا على سنة الله ورسوله، ودي شقتي اللي اشترتها بفلوس دهبي وشقايا.. ومها معذورة، لأن حسام مكنش ناوي يقولها الحقيقة أبدًا، ولا كان ناوي يطلقني بما يرضي الله.
والد مها مسك القسيمة وبص فيها، وشه احمر من الغضب، والتفت لحسام اللي كان بيبص للباب كأنه بيدور على مهرب.
بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا..
طلعت الموبايل ووصلته على سبيكر صغير كان معايا في الشنطة، وشغّلت التسجيل بصوت واضح سمعه كل اللي قاعدين: صوت حسام وهو بيحلف لصاحبه كريم إنه لازم يجر رجلي في خيانة وهمية ويوصفله أدق أسرار بيتي عشان يطردني في الشارع وميدفعش مؤخر ولا قايمة، وصوته وهو بيضحك بسخرية على أهل مها وبيقول لكريم: «أنا هاخد البنت بشنطة هدومها وأهلها هيدفعوا دم قلبهم في الفرش.. ضربة معلم!»
مها انهارت من العياط ومسكت الدبلة رمتها في وشه، ووالدها قام وقف ومسك حسام من هدومه قدام كل الناس في المكان: — بتدخل بيتنا بغش وخداع؟! وبتبيع لحمك وعرضك وتفتري على مراتك عشان شوية قروش؟! ده أنت ملكش أصل ولا تعرف يعني إيه شرف ورجولة!
حسام فضل يترجى ويحاول يبرر، بس الفضيحة كانت خلاص اتسجلت، والمحل كله كان واقف يتفرج.
والد مها طرده وسحب بنته ومشيوا من المكان وهم بيهددوا بإبلاغ شغله وعيلته بالمستندات دي.
فضلت قاعدة مكاني.. حسام قرب مني، وعينيه مليانة شر وغل مهزوم: — دمرتي حياتي؟ ارتاحتي كده؟!
بصيت له بكل برود من فوق لتحت، وقلت له كلمة واحدة مسحت كل السنين اللي ضاعت معاه: — إنت اللي دمرت نفسك لما دخلت بيتك حد غريب عشان تكسر شرفي.. ورقة طلاقي توصلي خلال 24 ساعة بكل حقوقي والقايمة كاملة، وإلا التسجيلات وعقد الشقة التاني هيكونوا على مكتب مباحث الأموال العامة ومحكمة الأسرة بكرة الصبح.
قمت ومشيت من الكافيه، لأول مرة أحس إن الهوا اللي بتنفسه خفيف وصافي.. سبته في المكان لوحده، يدفع تمن المشروبات وتمن الفضيحة، وخسر كل حاجة في لحظة غدر واحدة كان فاكر إنه هو اللي كاتب نهايتها.
