الزواج الإجباري من الملياردير لسداد الديون

 إمضي يا نادين.. الشيكات دي لو راحت النيابة بكرة، أبوكي هيموت ورا القضبان

الجملة نزلت عليا زي حكم الإعدام.

كنت قاعدة في صالون بيتنا القديم في المنيل، قدامي قسيمة الجواز، وورايا أبويا راجل عجوز مهدود الحيل، بيفرك في إيديه ودموعه نازلة على لحيته البيضا في صمت عاجز.

وعلى الكنبة اللي قصادنا، كان قاعد "سليم الدالي".. حوت المقاولات والبورصة، واحد من أصغر وأغنى مليارديرات البلد، شخص هادي لدرجة مرعبة، ملامحه حادة ونظراته مبترحمش، ولابس ساعة تمنها يشتري العمارة اللي إحنا عايشين فيها باللي فيها.

أبويا كان واخد منه قروض وصفقات توريد بـ 40 مليون جنيه، وخسر كل حاجة في صفقة نصب اتقفلت عليه، وسليم مكنش عنده غير شرط واحد عشان ميسجنوش:

أنا.

نادين.. خريجة الفنون الجميلة اللي عمرها ما دخلت عالم رجال الأعمال ولا بتفهم في لغة الملايين.

مسكت القلم وإيدي متلجة، مضيت على الورقة، وأنا حاسة إن حياتي انتهت قبل ما تبدأ، وإني بتحول لسلعة اتباعت عشان تسدد ديون خسرانة.

سليم أخد القسيمة، حط الشيكات في جيبه من غير ما يقطعها، وبصلي ببرود:

— «شنطتك في العربية.. قدامك دقيقتين تسلمي على والدك، مفيش وقت نضيعه.»

دخلت قصر سليم في التجمع.. مكان واسع يخوّف، رخام بارد، تحف غالية، وخدم بيتحركوا من غير أي صوت.

أول ليلة، سليم شاورلي على جناح مقفول في آخر ممر الدور التاني، وقالي بنبرة صارمة مفيهاش أي هزار:

— «القصر كله تحت أمرك.. إلا الأوضة دي يا نادين. لو لمستي مقبض الباب ده أو فكرتي تبصي من خرم المفتاح، جوازك ده هيتحول لجحيم وأبوكي هيكون مكانه الطبيعي في طرة!»

عدى تلات شهور.. سليم كان بيعاملني بأدب غريب، مبيلمسنيش، مبيطلبش مني أي حاجة تخص الجواز، بس الصمت والغموض اللي حواليه كان بيخنقني.

لحد ما جه اليوم اللي سليم سافر فيه مؤتمر استثماري في دبي لمدة تلات أيام.

في الليلة التانية، الساعة اتنين بالليل، النور قطع في القصر كله.. وفجأة، سمعت صوت تكتكة غريبة خارجة من الأوضة الممنوعة، وصوت أنين خفيف كأن في حد محبوس جوة وبيتوجع!

رجلي سحبتني للممر خطوة ورا خطوة.. الضلمة كانت تقيلة، وصلت للباب..

ولقيت المفتاح راكب في الكالون! سليم نسيه وهو مستعجل للسفر!

فتحت الباب ببطء ورعب.. النور الخافت اللي جاي من شباك الجنينة كشف اللي جوة الأوضة.

مكنش فيها حد محبوس..

الأوضة كانت عبارة عن مرسم ضخم، مليان لوحات مرسومة بفحم وزيت..

كل اللوحات، من السقف للأرض، كانت لوش واحد بس..

وشي أنا!

لوحات ليا وأنا عندي 16 سنة في المدرسة، ولوحات وأنا في الجامعة بضحك، وتفاصيل دقيقة في حياتي مكنش يعرفها غير أقرب الناس ليا..

وفي نص الأوضة، على ترابيزة خشب عتيقة، كان فيه فايل أسود مفتوح..

أول ورقة فيه كانت إشعار تحويل بنكي قديم، وعقد شراكة من خمس سنين، باسم "سليم الدالي" واسم "أبويا"!

وقبل ما أستوعب الحروف، سمعت صوت ولاعة ورا ضهري، وريحة البرفان المميز بتاعه ملت الأوضة، وصوته الهادي رن في ودني بالظبط:

— «مش قولتلك يا نادين.. الباب ده خط أحمر؟»

 الزواج الإجباري من الملياردير لسداد الديون.. السر الصادم في المرسم المغلق (الجزء الثاني والنهاية)

اتسمرت مكاني كأن صاعقة ضربتني، والورقة وقعت من إيدي على الأرض.

لفيت ببطء شديد، ولقيت سليم واقف ساند ضهره على حلق الباب، لابس بالطو طويل مبلول من مطرة الشارع، ماسك ولاعته الدهب في إيده، وعينيه مثبتة عليا بتركيز مفيش فيه غضب.. كان فيه وجع وحزن عمره ما أظهره.

— «إنت.. إنت مش المفروض في دبي؟»

همست بصوت مكنش طالع، وأنا بنهج من الرعب.

سليم طفى الولاعة، وقرب خطوتين، وطى جاب الورقة من على الأرض، وحطها على الترابيزة:

— «الطيارة طارت بيا مخصوص ورجعت.. عشان كنت عارف إنك مش هتستحملي الفضول يا نادين.»

شاور بإيده على اللوحات اللي مغطية الحيطان:

— «شايفة دول؟ كل رسمة من دول كانت بتمثل سنة من عمري وأنا براقبك من بعيد.. من أول يوم شوفتك فيه في معرض المدرسة الثانوية وأنتي بتشرحي أول لوحة ليكي عن الأمل والحرية.. وأنا الراجل اللي الفلوس والسلطة قفلت قلبه وسودت عيشته.»

بصيت للصور واللوحات بذهول حقيقي:

— «أنت بتراقبني من سنين؟! يعني كل ده كان تخطيط منك؟! الديون.. والـ 40 مليون.. وإفلاس أبويا.. كل دي لعبة وسخة عشان تجبرني أتجوزك؟!»

سليم ضحك بمرارة وهز راسه بنفي قاطع:

— «لعبة؟ لو كنتي قلبتي الصفحة التانية في الفايل قبل ما تصرخي، كنتي هتعرفي مين اللي بيلعب بالكل.»

مد إيده وسحب الورق اللي تحت، ورماه قدامي.

قريت السطور بعيني والدم نشف في عروقي..

العقد مكنش عقد ديون عادية.. كان عقد تنازل والدتي المتوفية عن أرض ومصنع سابتهملي في وصيتها الرسمية، وأبويا زور إمضتي من تلات سنين وباعهم لسليم!

ولما سليم اكتشف التزوير وإن الأرض دي حقي أنا الشرعي والوحيد، أبويا هرب وراهن بالفلوس وخسرها، ولما حس بحبل المشنقة بيقرب منه في قضايا النصب والتزوير، جه لسليم بنفسه وعرض عليه الصفقة: «خد البنت باللي حيلتها، وجوازكم يغطي على تزويري للوصية وسرقة حقها!»

حطيت إيدي على بؤي وأنا مش مصدقة..

— «أبويا أنا.. هو اللي باعني عشان يغطي على سرقته لورث أمي؟!»

سليم قرب مني، ومسك إيدي بالراحة، ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة دافية مفيهاش أي برود:

— «أنا مكنتش حابب أكسر صورتك عن أبوكي يا نادين.. الشيكات دي أنا مكنتش هحبسه بيها، الشيكات دي الضمان الوحيد اللي منعته بيها إنه يمد إيده على باقي حقوقك أو يبيعك لحد تاني بجد. دخلتك بيتي باسم الجواز عشان أرجعلك حق أمك بالمليم وأحميكي من جشعه.. الأوضة دي مكنتش عايزك تدخليها، عشان مكنتش عايزك تعرفي إني بحبك وبراقبك من سنين فـ تفتكري إني بستغل ضعفك.»

الدموع نزلت من عيني بحرقة.. سنين وأنا فاكرة أبويا ضحية مظلوم، وفاكرة سليم وحش مفترس جاي يدمرني.. بينما الحقيقة كانت العكس تماماً.

الوحش كان جوة بيتي، والسند الحقيقي كان الراجل اللي اشترى حمايتي وستر عليا وعلى عيلتي من غير ما يطلب مقابل.

طلعت قسيمة الجواز وعقد الوصية:

— «ودلوقتي يا سليم؟ اللعبة خلصت.. عايز مني إيه؟»

سليم طلع الشيكات بتاعة أبويا من جيبه، وولع فيها قدامي، ورمى رمادها في الطفاية:

— «أبوكي هيتسفر برة مصر، وهيعيش على معاش شهري يكفيه من غير ما يدخل حياتك تاني.. أما القسيمة دي، فلو عايزة تقطعيها وتمشي بحقك كامل معززة مكرمة، الباب مفتوح.. ولو عايزة تبدأي معايا بجد، ومن غير أي ديون، أنا مستعد استنى لحد ما تحسي بالأمان.»

بصيت للوحات اللي على الحيطة، وشوفت في كل خط مرسوم فيها حب وصبر استمر سنين في صمت..

مسكت إيده اللي كانت ممدودة ليا، وقولتله بابتسامة وسط الدموع:

— «أنا عمري ما حسيت بالأمان قد اللحظة دي يا سليم..»

وانتهت حكاية الديون الإجبارية، لتبدأ حكاية حب حقيقي اتبنى على التضحية والستر، مش على الملايين ولا المساومات.

Comments